لقد كان للجانب المادي الذي سيطر على حياة الناس دورٌ كبير في بُعدهم عن التفكر في مآلهم ومصيرهم وتبعاً لذلك ضعفت الهمم وخارت العزائم وكثر البعد عن الله عزّ وجلّ
قيل للحسن البصري - رحمه الله - : يا أبا سعيد نُجالس أقواماً يُخوفونا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال : ( والله إنك أن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن خيرٌ من أن تصاحب أقواماً يؤمنونك حتى يدركك الخوف ) ما خاف مؤمن اليوم إلا أمن غداً بحسن اتعاظه وصلاح عمله فإننا في دارٍ أفسح الله لنا فيها النعم التي يسبغها علينا صباحاً ومساءً ونحن نضيع أعمارنا في غير ما خُلقنا له ثم إذا جاء الموت صرخ البعض ( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ) [ المؤمنون : 99 ] لماذا ترجع وتعود ؟ ( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) [ المؤمنون :100 ] وأين أنت عن هـذا اليوم ؟ ألا تعلم وأنت في سعةٍ من أمرك وصحةٍ في بدنك ؟ ولم يدنُ منك ملك الموت بعد ؟ فإن الله تعالى جعل الموت محتوماً على جميع العباد فهو نهاية المرء وغاية الاقتصاد من دار الاعتداد فأسقم الصحيح وعافى السقيم وقسم عباده قسمين : طـائـع و أثـيـم وجعل مآلهم إلى دارين : دار النعيم و دار الجحيم فلا مفر لأحد من الموت ولا أمان لقوله تعالى : ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ) [ الرحمن :26 ]
قال بعضهم : ( عجباً لمن يعرف أن الموت حق كيف يفرح ؟ ) وعجباً لمن يعرف أن النار حق كيف يضحك ؟ واعجباً لمن رأى تقلب الدنيا بأهلها كيف يطمئن إليها ؟ وعجباً لمن يعلم أن القدر حق كيف ينصب ؟ نرى باب الموت مفتوحاً والقبورتزيد هاهو كل يوم يطرقنا وفي كل لحظةٍ ينذرنا ولكـن هل سألنا أنفسنا ماهي دارنا الثانية ونحن نعلم أن الموت حق ولكننا نسيناه أو تناسيناه وكرهنا ذكره ولقياه مع يقيننا أنه لا محالة واقع بنا وحاصل ولا مفر منه ولا حائل
أخي الحبيب أعجب العجائب سرورك بغرورك وسهوك في لهوك عما قد خُبِّي لك تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم وهذا ما نراه في واقع حياتنا فلا نذكر الموت إلا عند حدوث الفاجعه ونزول النازله بل إن قيل : إن فلان قد مـات استرجعنا الذاكره وكأن الموت طريق فـلان وحده لذلك نحزن عليه ولا نرى ما سيحل بنا غداً أو بعد غـد نحن في سعةٍ من أمرنا وفي حال الطلب والتـوبة والاجتهاد وفي العبادة
قال يزيد الرقاشي وهو يخاطب نفسه : ( أبك يايزيد على نفسك قبل حين البكاء يا يزيد من يصلي لك بعدك ؟ أو من يصوم ؟ يا يزيد من يَضّرع لك إلى ربك بعدك ؟ ومن يدعــو ؟ ) فلو أنزلنا أنفسنا هذه المنزلة وأوقفنا أنفسنا هذا الموقف مثل يزيد - رحمه الله - لتغيرت أعمالنا وصدقت نياتنا وعلمنا مدى تقصيرنا الذي نحن فيه
أخي متى نتـوب ؟ هل أجبت يوماً على هذا السؤال ولكن لنرى الجــواب قال بلال بن سعد - رحمه الله - : ( يقال لاحدنا تريد أن تموت ؟ فيقول : لا ! فيقال : لِمَ ؟ فيقول : حتى أتوب وأعمل صالحاً فيقال له : اعمل ! فيقول : سوف أعمل ! ) فلا يحب أن يموت ولا يحب أن يعمل قيؤخر عمل الله تعالى ولا يؤخر عمل الدنيا ! فأكثر هم الواحد منا نقص الدنيا وزينتها ونادراً من نراه يغتم بفوات صلاة جماعة أو طاعةٍ من الطاعات بل أصبح الهم المشترك لغالب الناس اليوم همَّ الدنيا - إلا مــا رحــم ربــي -
ويحكِ يانفس أما تخافين إذا بلغت التراقي وأن تبدوا رُسُل ربكِ منحدرةٌ أليكِ بسوء الألوان وقلح الوجوه وبشرى العذاب فهل ينفعكِ حينئذٍ الندم أو يقبل منكِ الحزن أو يرحم منكِ البكاء والعجب كل العجب منكِ يانفس أنكِ مع هـذا تدعين البصيرةَ والفطنةَ ومن فظنتكِ أنكِ تفرحين كل يومٍ بزيادة مالكِ ولاتحزنين لنقصان عمركِ وما نفع مالٍ يزيد وعمرٍ ينقص
بكى الحسن البصري - رحمه الله - بكاءً شديداً فقيل له : يا أبا سعيد ما يبكيك ؟ فقال : ( خوفاً من أن يطرحني في النار ولا يبالي )
ياليت شعري كيف أنت إذا *** غُسلت بالكافورِ والسدرِ أو ليت شعري كيف أنت على *** نبش الضريح وظُلمة القبرِ ياليت شعري ما أقول إذا *** وضع الكتابُ صبيحة الحشرِ ياسوأتا مما اكتسبتُ ويا *** أسفي على ما فات من عمري ألا اكون عقلت شأني فاستقبل *** ما استدبرتُ من أمري
فإن استطعت يا أخي أن تُعد لك كل يومٍ زاداً لما بين يديك فافعل فإن الأمر أعجل من ذلك فتزود يا أخي لنفسك وخذ في جهازك وكن وصي نفسك واعلـم يا أخي أن الليل والنهار لا يرجعان والعمل لايعود والطالب حثيث والليل والنهار يسرعان في هدم نفسك وفناء عمرك وانقضاء أجلك فلا تطمئن يا أخي حتى تعلم مسكنك ومصيرك ومستقرك ومنزلك فانظر لنفسك واقضِ ما فاتك واقضِ ما أنت قاضٍ من أمرك وكأن بالامر يأتيك على بغته فكأنك بالقيامة قد قامت وبالنفس الأمارة وقد لامت وانفجعت عينٌ طال ما نامت ونُحرت قلوب العصاة وقد هامت
كتب بعض الحكماء إلى رجل من إخوانه فقال : ( يا أخي احذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دارٍ تتمنى فيها الموت فلا تجده )
أخي لاتكف دمعك حتى ترى في الميعاد ربعك ولاتكحل عينك بنومٍ حتى ترى حالك بعد اليوم ولا تبت وأنت مسرور حتى تعلم الأمـور
أخي أن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من الحسرة والفوت فأتتهم والله دارٌ لم يتزودوا لها فأي ساعة مرت على من مضى ؟ وأي ساعة بقيت علينا ؟
أخي اعمل ما وجدت سبيلاً للعمل وما دمت في فسحةٍ ومهد المضجع ووطئ لذلك المصرع
أخي الحبيب أيام عمرك أيام قلائل ولحظات محسبوبة وأنفاس معدودة لو أستطعت زيادة في عمرك ولو للحظات مقابل أموال الدنيا أجمع لما استطعت إلى ذلك سبيلاً فكيف بك الآن تضيعها في غير طاعة الله ؟
مرَّ الحسن البصري برجل يضحك فقال : يا ابن أخي هل جُزت الصراط ؟ فقال الرجل : لا قال : فهل علمت إلى الجنة تصير أم إلى النار ؟ فقال : لا قـال : ففيم الضحك عافاك الله والأمـر هـول فما رئي الرجل ضاحكاً حتى مـات !
ونحن نضيع أعمارنا وننفق أوقتنا فيما لاطـائل من ورائه بل فرحون مستبشرون هل نظرنا إلى أين نحن ذاهبون ؟ اجتمع علينا طول أمل وغفلة وما بعد هذه الدنيا إلى جنةً أو نار
فاللهم أيقظ قلوبنا من سباتها وأغثها بالأيمان وحسن الأعتبار
إلهي لولا ما جهلت من أمري ما شكوت عثراتي ولولا ما ذكرتُ من الإفراط ما سحت عبراتي إلهي أن كنت لاترحم إلا المجتهدين في طاعتك فإلى أين يلتجئ المخطئون وإن كنت لا تكرم إلا أهل الإحسان فماذا يصنع المسيئون وإن كان لا يفوز يوم الحشر إلا المتقون فكيف يستغيث المذنبون اللهم تب علينا واغفرلنا وارحم ياارحم الراحمين
يا الله كم نحتاج لمثل هذه الكلمات تطرق قلوبنا و تحرك سواكناً فينا ...
فنعود و نسترجع و نبتهل إلى الباري بالاستغفار و الانابة ..
جزيت خيراً اخي عبدالله
__________________
سلمان يا سلم الديان طلعــته= فـــقيهنا شــيخنــا والــرأي معــتبر
بيــــانه ممتع ســـهل وممتــنــع = كــلامه لــؤلــؤ ألــفاظــه درر
ويرسم الخطة المثلى لمنهجها =وسيرها باتزان ناصر العمر
شيخ أبيٌ وقلب في توقده = يكاد من هم هذا الدين ينفطر